بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مـؤتمر العـمل الطـوعي

والعـون الانسـاني في السـودان

 

الخرطوم

 قاعة الصداقة

29/5/- 31/5/2000

 

 

ورقة

العمل الطوعي

 في السودان

 

د. عبد الرحيم أحمد بلال

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المحتويات

                                                                                الصفحة

  1-     مقدمة

2  - تعريف العمل الطوعى

3  - العمل الطوعى في الإسلام والتراث

4  -العمل الطوعى في الحركة الوطنية ضد الاستعمار

4-1 التعليم الأهلي الديني

4-2 الكيانات السياسية الأولى والتعليم الأهلي الحديث

 4-3 المنظمات النقابية

4-4 المنظمات السياسية - الأحزاب

4-5 المنظمات النسوية

5  - تطور مفهوم العمل الطوعى بعد الاستقلال وحتى التسعينات

5-1 على المستوى الدولي

5-2 السودان

6  - العمل الطوعى في خطط التنمية الاستراتيجيات القومية

الاستراتيجية القومية الشاملة 1992 - 2002

7  - العمل الطوعى في الأغاثه وإعادة التعمير والتنمية

8   - العلاقة بين الجمعيات الطوعية والدولة

9       - منظمات العمل الطوعي والتشبيك

10 - وسائل العمل الطوعي

11- العمل الطوعي وحقوق الإنسان

12- ايجابيات وميزات العمل الطوعي

13 - مشاكل العمل الطوعى

14- الخلاصة والتوصيات

15- قائمة المراجع

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

العـمل الطـوعي في السـودان

د. عبد الرحيم أحمد بلال

 

1 / مـقدمة:

ينعم السودان بذخيرة ضخمة من روح ومنظمات العمل الطوعي او مايسمى حديثاً في أدبيات التنمية "رأس المال الاجتماعي" تسعى الورقة الى القاء الضوء على رأس المال الاجتماعي هذا وتطوره ، وعلى الثروة الاجتماعية الضخمة والامكانيات الهائلة الكامنة فيه والعقبات التى تواجه نموه والطرق والوسائل لتنميته بمنهج تحليلي تاريخي.

تحلل الورقة العمل الطوعي في الاسلام كرسالة سماوية اجتماعية ، وجميع الرسالات السماوية رسالات اجتماعية هدفها العدالة الاجتماعية بتحقيق التكافل الاجتماعي وتنمية راس المال الاجتماعي كأساس للتنمية البشرية والمادية التى تقوم على الجماعية لاعلى الفردية وتذرير الانسان (atomization)  وقوقعته وانغلاقه في انانيته ومصالحه الفردية الضيقة. كما تتعرض الورقة للقيم الاجتماعية الجماعية في التراث الشعبي . وبما ان العمل الطوعي لا ينحصر على المجتمعات التقليدية ذات الاقتصاد المعيشي المنغلق وبما فيها من خصائص يرتكز عليها التطوع ومنها الملكية الجماعية لوسائل الانتاج الطبيعية وانتاجية متدنية تفرض جماعية الانتاج والاستهلاك، بل يمتد العمل الطوعي عبر كل حقب التطور الانساني لانه ضرورة لهذا التطور.  ان الورقة تلقى الضوء فى اقتضاب  على العمل الطوعي في المجتمع التقليدي و تحلل هذا العمل فى شىء من التفصيل فى المجتمع الانتقالي الذي بدأ التحول العميق له بدخول الاستعمار البريطاني والذي بالرغم من كل مسالبه المعروفة عمل على انتشار العلم والتعليم الحديث كوسيلة لاعمار الارض والتنمية وكذلك دفع بانتشار اقتصاد السوق وكلاهما وسعا وعمقا دائرة ارتباط السودان بالعام الخارجي . واهم معالم اقتصاد السوق العمل بأجر الذي هو قوام احدى اهم الحركات المجتمعية التى تقوم على التضامن كاداة لخلق التوازن الاجتماعي ، الا وهي الحركة النقابية العمالية.

تتبع الورقة اهم معالم العمل الطوعى فى  التاريخ السوداني الحديث وهو التحام وتضامن الحركات العمالية والنسائية والسياسية المناهضة للاستعمار عبر العمل الطوعي في اشكالها الجنينية الاولى.

وتتطور صور العمل الطوعي وهو يحتفظ بجوهره الجماعي كصفة اساسية للمجتمعات الانسانية ليجد طريقة في نظريات الدولة والحكم الحديث واهمها مفهوم الحكم الراشد الذي يتكامل فيه دور الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وعصبها العمل الطوعي الذي يقوم على حقوق الانسان واهمها حرية التعبير والتنظيم وخاصة تنظيم المستضعفين . وهي بذلك تعتبر رقيباً على الدولة والقطاع الخاص بل قائداً ورائد للمجتمع (المجتمع يقود الدولة) لتحقيق التوازن المنشود في المجتمع.

تتابع هذه الورقة التطور في السودان وفي العالم الذي يتأثر السودان بمجرياته والمتغيرات فيه ويؤثر فيه بما له من وضع استراتيجي بين العالم العربي والأفريقي ولجواره لتسعة دول منها دول فاعلة في المجتمع الدولي بموقعها ومواردها.

 

2/ تعريف العمل الطوعي

لقد صار العمل الطوعي ومنظماته علماً يدرس في الجامعات والمعاهد والدورات التدريبية للمنظمات الطوعية، وقد انتشرت حوله الأدبيات وتشعبت. وكذلك ازداد الاهتمام في العقد الأخير بالمجتمع المدني ومنظماته ، ازدادت الإصدارات حوله كتباً او دوريات . وبالرغم من انتشار الأدبيات حول هذه التنظيمات الا ان هناك عدم وضوح وضبابية، بل وخلافات واختلافات في مفهومها مما يغيب روحها الملهمة ويسلبها، ويقعدها في غياهب الفكر التجريدي الجاف.

ان تعريف العمل الطوعي يمكن ان يقوم على منهجين أحدهما طبيعة العمل الطوعي وأهدافه والآخر هو مفهوم المنظمات الطوعية في علاقتها بالكيانات المجتمعية المختلفة الأخرى وهي الدولة والقطاع الخاص والعائلة . وفيما يلي يوضح النهجين.

2/1 طبيعة العمل الطوعي وأهدافه:

جاء تعريف العمل الطوعي في مشروع قانون العمل الطوعي والإنساني لسنة 1999

كالآتي:

" يقصد به أي نشاط طوعي أنساني خيري غير حكومي او شبه حكومي يقوم به كيان طوعي وطني او كيان أجنبي مانح او منفذ لبرامجه. ويكون النشاط ذا أغراض اجتماعية او تنموية او اغاثية او رعائية او خدمية او علمية او بحثية يتم تسجيله وفقاً لاحكام هذا القانون"

وفي تفسير (الكيان) يستثنى الآتي: أي شركة وأي نقابة وآي هيئة قانونية مسجلة بموجب قانون آخر وهذا الاستثناء للكيانات الأخرى يقوم على التسجيل بقوانين أخرى حتى لو كانت تشترك مع الكيانات الطوعية حسب تعريف القانون في أنها تؤدي عمل طوعي أنساني خيري غير حكومي الخ مثلاً الكيانات الثقافية.وفي تعريف القانون هذا إشارة لعلاقة العمل الطوعي بالسوق والقوانين التى تحكمه وكذلك إشارة للعلاقة بالحكومة او الدولة. لذلك يسمى هذا القطاع القطاع الثالث او القطاع الأهلي بمقابلته بالقطاع الخاص الذي يعتبر القطاع الثاني وبمقابلته بقطاع أجهزة الدولة التى تعتبر القطاع الأول. وفي تعريف لأحمد الطيب زين العابدين نجد التركيز على أهم جانب من جوانب السوق التى تحكم قوانينه القطاع الخاص وهو الأجر فيقول التعريف: " عمل مبذول خارج نطاق سوق العمل، أي عمل يبذل لاسباب إنسانية دون مقابل مادي او نقدي واجب السداد، يمكن ان يطالب به قانوناً او عرفاً"

2/2 التعريف العلائقي

ان التعريف العلائقي او العلاقاتي هو الذي تحدد فيه الجمعيات الطوعية بوصفها غير كيانات الدولة او القطاع الخاص او العائلة التى تملا المجال العام بين الأسرة والدولة والقطاع الخاص. وهذا التعريف الشامل يستعمل في تعريف منظمات المجتمع المدني الذي يقوم على أربعة مرتكزات: أولا التطوع والحرية في الانضمام، ثانياً مقابلته بأجهزة الدولة والعائلة والقطاع الخاص لانه يملا الفضاء بين هذه الكيانات وبوصفه مختلفاًعنها او نقيضاً لها ثالثاً انه ليس بأرثي ورابعاً الإدارة الديموقراطية السليمة للتنوع والخلاف في المجتمع ( مقدمه سعد الدين ابراهيم لكتاب حيد ابراهيم، المجتمع المدني والتحول الديموقراطي في السودان، القاهرة 1995).

3/ العمل الطوعي في الإسلام والتراث

أن القيم الاجتماعية وخاصة الدينية المتجذرة والمتعمقة في المجتمع السوداني ساعدت في تعميق روح العمل الطوعي فيه بالإضافة الى التراث الشعبي في الغناء والأمثال والذي يشيد بهذه الروح فتظل متقدة في المجتمع حتى بعد زوال الظروف المادية التى قام عليها هذا التراث الشعبي.

وفيما يلي نورد مجموعة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة توضح الحث على العمل الطوعي والذي هو بمثابة صدقة في الإسلام.

قرآن كريم :

· " وتعاونوا على البر والتقوى "

·  " ومن تطوع خيراً فهو خير له"

·  " وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل"

·  " وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" والمقصود هنا الزكاة ولكن هناك الحديث الذي يحث على الصدقة بعد الزكاة " في المال حق سوى الزكاة"

·  وتنداح دائرة العون والصدقة لتشمل الناس على اختلاف دياناتهم " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين"

أحاديث شريفة:

· " أن لله عباداً اختصهم لقضاء حوائج الناس، حببهم للخير وحبب الخير إليهم،

         أولئك الناجون من عذاب يوم القيامة"

· "لأن تغدو مع أخيك فتقضي له حاجته خير من ان تصلي في مسجدي هذا مائة

        ركعة"

·  " من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له"

·  " خير الناس انفعهم للناس " وهذا الحديث يشير الى نفع الناس أجمعين وليس نفع 

           المسلمين فقط.

·  " المال مال الله والناس عيال الله واحبهم الى الله انفعهم لعياله"

·  " تبسمك في وجه أخيك صدقة" وهذا يعني ان التصدق المعنوي له مكانته كذلك 

          في الإسلام وقد يكون البعض اشد حاجة له من التصدق المادي

·  " مازال جبريل يوصني على الجار حتى ظننت انه سيورثه"

· وقد اتخذت الصدقة في الإسلام والدولة الإسلامية صورة مؤسسية في شكل الأوقاف في صورها المختلفة المساجد ، الخلاوي الوقف الاستثماري لدعم المساجد ودور العلم.

التراث الشعبي

وهذه أجزاء من التراث الثقافي الشعبي تؤكد القيمة الاجتماعية العالية للعمل الطوعي في المجتمعات التقليدية.

متين يا علي تكبر تشيل حملي

إياك علي الخلاك أبوي دخري

للجار والعشيرة الكان أبوك بدي

للغني والفقير الكان أبوك حامي

*******************

يسلم لي خال فاطمة ليهم

بلالي البدرج العاطلات

***********

فوق بيتو لسند الجوع

ياقشاش الدموع

*******

مقنع الكاشفات

*******

طلعت القمرة يا عشاي ودينا لي أهلنا بسألوك عننا

**********

صاحبي المتمم كيفي مطمورة شتاي وصيفي

*******

البيت الكبير ابنوهوا

وضيف الهجع الهجوا وعشوهوا

 

4/ العمل الطوعي في الحركة الوطنية ضد الاستعمار:

4/1 التعليم الأهلي الديني

ارتبط التعليم في العالم الإسلامي بالتعليم الديني الذي كان يقوم به العلماء تطوعاً لله في المساجد او الخلاوي الملحقة بهذه المساجد أحيانا في بيوت هؤلاء العلماء، كما كان الحال في السودان قبل قيام المعهد العلمي (محمد عمر بشير ،تطور التعليم في السودان 1898 - 1956 ، الخرطوم 1983،ص 105) وطوعيه هذا العمل تتضح في أنه لم تكن هناك رسوم يدفعها الطلاب للعلماء بل كان دخل هؤلاء يقوم على ما يقدمه الطلاب او آباؤهم من هدايا وهبات (محمد عمر بشير، أعلاه ،ص 30)

وفي بداية الحكم الثنائي أقامت حكومة الاحتلال مدارس حكومية بهدف تأهيل موظفين للعمل الحكومي . ولكن بجانب هذه المدارس قامت المدارس الأهلية الدينية الإسلامية التى تهدف الى إرساء قيم الدين الإسلامي والمدارس المسيحية الإرسالية التى كانت تسعى لنشر قيم دينية جديدة (محمد عمر بشير ،أعلاه، ص 109)

وقد كان قيام المعهد العلمي كتطور للتعليم بجامع ام درمان معلماً أساسيا في التعليم الديني الأهلي على أساس مؤسسية حديثة مدعوماً من الدولة "  إذ شمل المعهد العلمي مراحل ثلاثة، الابتدائية ، الأهلية ، العالمية كما تم تعيين معلمين كساعدي تدريس فيه وصارت مرتبات العلماء والمدرسين تدفع من الخزينة العامة (محمد عمر بشير ،أعلاه، ص 105)

4/2 الكيانات السياسية الأولى والتعليم الأهلي الحديث:

بدخول الاستعمار في مرحلته الثانية مرحلة الحكم الثنائي اتسع اقتصاد السوق وذلك بربط السودان بالسوق العالمية. فكانت نتيجة ذلك اتساع العمل بأجر والذي تلعب فيه الدولة بأجهزتها ومؤسساتها المختلفة دور المخدوم (بكسر الدال) وتزايد عدد الكتبة والفنيين والضباط ورجال الإدارة بعد عام 1918 (محمد عمر بشير ،أعلاه، ص 154) وقد صار هؤلاء الموظفون والعمال في مؤسسات مثل السكة حديد هم عصب الكيانات الأولية للعمل الطوعي ومنظمات المجتمع المدني وقد تلاحمت مواقفهم السياسية من الدولة الاستعمارية  مع مصالحهم الاقتصادية كأجراء لدى تلك الدولة (محمد عمر بشير،أعلاه، ص 157) .  وقد بدأت الحركة الوطنيه المنظمة على يد هؤلاء الموظفين فى الجمعيات الادبية التى انتشرت فى المدن، فى ام درمان ومدنى وبورتسودان (تاج السر الحسن، الندوة الادبية بام درمان مجلة (محاور)، ام درمان يوليو 1998).

وقد أخذت هذه الحركة شكلاً ثورياً  بتوزيع منشورات في عام 1921 بتوقيعات مختلفة مثلاً " أبناء النيل" و"جمعية الدفاع عن العقيدة في السودان" و "جمعية تحرير البلاد" وقد سبق ذلك تأسيس نادي الخريجين بام درمان في عام 1918  كثورة للأحزاب السياسية وصدرت أول جريدة سودانية هي (حضارة السودان) التى أسسها حسين شريف في 1919 ويرى محجوب محمد صالح في دعوة حسن شريف لاستغطاب الشباب والتجار والزراع والمرأة لتكوين منظماتها سعيا  دؤوبا لحسن شريف لخلق مؤسسات المجتمع المدني. ( محجوب محمد صالح ، أضواء على الفكر السوداني الحديث - حسين شريف الصحفي السوداني الأول 1886 - 1928، مجلة "محاور" ، أمد رمان يوليو 1998)

 وتكونت جمعية اللواء الأبيض في عام 1924 وهي الجمعية التى نظمت ثورة 1924 التى بدأت في يونيو 1924 في الأبيض . وقد بدأت هذه الثورة الطبقات المتعلمة في المدارس المختلفة وكلية غردون التذكارية (محمد عمر بشير ، أعلاه، ص 156-157)

بالرغم من ان مؤتمر الخريجين قد تأسس في عام 1938 الا ان التعليم الأهلي بدأ قبل ذلك. فقد فتحت المدرسة الأهلية ام درمان أبوابها عام 1927  ارتفع العدد الى سبعة مدارس عام 1935. كان هناك محوران أساسيان في تفكير أعضاء مؤتمر الخريجين بجانب القضية السياسية وهما محاربة القبلية والامية بوصفهما عائقين للوعي السياسي الوطني. لذلك كان اهتمام المؤتمر بالتوسع في إنشاء المدارس الأهلية بما في ذلك مدارس الفقراء والأيتام فقد دعي المؤتمر الى تأسيس معهد القرش في عام 1939 ليأوي الأيتام ويقوم على تأهيلهم في ورشة تابعة للمعهد لتعلم الحرف. وقد أتقام المؤتمر يوم التعليم في عام 1941 لجمع التبرعات لتشييد المدارس الأهلية (محمد عمر بشير ،أعلاه، ص 288).

4/3/ المنظمات النقابية العمالية

لقد كان للأندية العمالية قصب السبق في الحركة العمالية إذ بدأ تكوين هذه الأندية قبل النقابات. لقد بدأت اللقاءات لتكوين أول نادي للعمال في المقاهي والتى على آثرها قدم الطلب للتصديق بقيام نادي عمال للحكومة الإنجليزية في عام 1934. وقد وردت أسماء بعض من شاركوا في ثورة 1924 في اللجنة التمهيدية لهذا النادي مما أدى لرفض الطلب الأول ولكن تكونت لجنة أخرى تم على أساسها التصديق بالنادي (عبد الرحمن قسم السيد، الخرطوم 1978 ،ص 36) .  ومن ذلك يتضح التلاحم بين الحركة العمالية والحركة السياسية.  بعد تعثر في سير هذا النادي تم افتتاح ثاني في يوم 19/11/1943 (المرجع أعلاه، ص 41) وجاء الافـتتاح الثالث في عـام 1946 بعد ان تم بـناء ناد للعـمال وهو في موقع نـادي العـمال الحـالي بالخـرطوم (المرجع أعلاه ،ص 44   )                           وقد تعاونت الأندية العمالية (الخرطوم ، ام درمان) مع مؤتمر الخريجين الأول مرة في الاحتفال بعيد العمل والعمال عام 1945. وهذا يوضح استمرار التلاحم بين الحركة النقابية العمالية والحركة السياسية. وقد تلاحمت الحركة النقابية مع الحركة الطلابية بالنداء لإضراب في المؤتمر العمالي في دورته النقابية في نوفمبر 1950 الذي نادى فيه العمال بإرجاع الطلبة المفصولين لأسباب سياسية من مدرسة خور طقت الثانوية (المرجع أعلاه، الأندية ،ص 55)

ولم تكتف الحركة النقابية بالتعاون والتعاضد مع الحركة السياسية في شكل ثورة 1924 ومؤتمر الخريجين ومع الحركة الطلابية في عام 1950 بل تضامنت مع حركة المزارعين. ففي 6 فبراير 1952 اصدر اتحاد النقابات بياناً للمزارعين لتنظيم أنفسهم في اتحادات بدلاً عن هيئات واصفاً هذه الهيئات بأنها منظمات كرتونية فرضتها السلطات الاستعمارية . وقد تم تكوين اتحاد مزارعي جبال النوبة والذي شارك في مؤتمره الثاني بتاريخ 5/5/1953 رئيس اتحاد النقابات شخصياً وكذلك حول مزارعو الجزيرة هيئتهم الى اتحاد في  مؤتمرهم في نوفمبر .1953 وقد شارك في مؤتمر اتحاد مزارعي الجزيرة هذا كذلك بعض قيادات اتحاد النقابات (سعد الدين فوزي،القاهرة 1998،ص 135)

صدر أول عدد لمجلة عمالية هي (مجلة العامل السوداني) في 2/8/1946 (عبد الرحمن قسم السيد،ص 48). وهذا يوضح ان هذه المجلة ظهرت للوجود قبل قيام أول تنظيم عمالي وهو هيئة شئون العمال في عام 1947 وقبل إصدار قانون النقابات لسنة 1948 وقبل تكوين اتحاد نقابات العمال في عام 1950 (المرجع أعلاه، ص 92،93) .

 نظرة ناقدة للأداء الإداري للحركة النقابية الأولى:

وجهه الأستاذ سعد الدين فوزي بعض النقد لإدارة  الحركة النقابية في بداياتها كالآتي:-

-       المستوى المتدني لإدارة النقابات والذي يتضح في عدم إرسالها لتقاريرها السنوية لمسجل النقابات بالرغم من ان القانون يلزمها بذلك. فمن 112 نقابة مسجله في عام 1954  اتضح له ان 25 نقابة فقط ظلت مستمرة  لعام وهى التى التزمت بإرسال تقاريرها السنوية للمسجل.

-       تجاهل إرسال الحسابات المراجعة في كثير من الحالات وهذا يدل على حسب رأى الأستاذ سعد الدين فوزي على ان معظم تلك  النقابات فشلت في الاحتفاظ بوثائقها وحساباتها.

-       عدم استجابة النقابات الى تذكير المسجل بهذه الواجبات او الاستجابة البطيئة.

ويذكر الأستاذ سعد الدين فوزي ان المسجل كان يرجع لأسلوب اللين وذلك لشعوره بضعف التجربة النقابية وحاجتها للمزيد من الممارسة التنفيذية والمالية. ويعلل سعد الدين فوزي هذه الامبالاه وعدم الالتزام بالواجبات التى يفرضها القانون بتفشي الاميه وسط العمال وانتشارهم في كل بقاع القطر المترامي الأطراف، وفقر الإمكانيات المالية وفقدان القيادات المقتدرة والمجربة وفقدان استمرارية العمل القيادي والافتقار للمنظمين المتفرغين للعمل النقابي لعدم مقدرة النقابات تحمل تكاليف هؤلاء المتفرقين. (سعد الدين فوزي، القاهرة 1998 ص. 115 و116).

-       ونضيف لهذه الأسباب ان النقابات في تلك الفترة كانت تفتقر للتدريب والبناء والمؤسسي الحديث إذ كان أداؤها يقوم على مواهب الشخصيات القيادية الرائدة آنذاك والتى لم تنل أي تدريب يصقل مواهبها ويرتقى بأدائها .  ولاشك ان قيام مؤسسة الثقافة العمالية في عام …. ساهم في الارتقاء بأداء النقابات وذلك بالتدريب المتواصل لقياداتها على المستويات المختلفة.

 

4-4   المنظمات السياسية - الأحزاب

انبثقت الأحزاب السياسية من مؤتمر الخريجين الذي ضم 1180 خريج في عام تأسيسه 1938 وحوالي 20 آلف خريجاً في بداية الخمسينات ضمتهم مائة فرعاً للمؤتمر ( زكى البحيري، التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان - من الأزمة العالمية حتى الاستقلال 1930 - 1956، القاهرة 1987، صفحة 492) صار مؤتمر الخريجين الوعاء التنظيمي الوطني الذي جمع الخريجين السودانيين بعد أن كانوا شتاتاً في أندية الخريجين والجمعيات الأدبية.  بالرقم بان الباحثين يسلطون الضوء على الأحداث السياسية والاجتماعية التعليمية لهذا التنظيم ألا آن مطالب المؤتمر الاقتصادية لم تقل أهمية عن أهدافه السياسية والاجتماعية.  ويتضح ذلك في المذكرة التى رفعها المؤتمر للحاكم العام في 1942 ، والتى وثيقت ورقمت في 12 مطلباً ولكن شملت بين طياتها مطالب اكثر من ذلك إذ بلغة المطالب السياسية فيها خمسة مطالب والمطالب الاقتصادية سبعة مطالب والمطالب الاجتماعية التى خصصت للتعليم مطلبين.  وتكرر بين المطالب  الاقتصادية مطلب توظيف السودانيينAppointment " ثلاث مرات ( مدثر عبد الرحيم ، 1969 ، صفحة 128 - 129). وأهمية الجانب الاقتصادي في نشاط مؤتمر الخريجين أيتضح كذلك في تكوين لجنة لرعاية الصناعات الوطنية ومقاطعة أعضائه للمنتجات المستوردة " زكى البحيري ، 1987 ، صفحة 480

انشق مؤتمر الخريجين ألي اتجاهين سياسيين فتكون حزب الأشقاء الداعي للوحدة مع مصر في عام 1943 وقاعدته طائفة الختميه وتكون حزب الأمة الذي مال الى بريطانية 1945 وقاعدة طائفة الانصار ( مدثر عبد الرحيم ، الانبريالية والقومية فى السودان ، اكسفورد 1969 ، صفحة 131 "بالانجليزية")

ينتقد الباحثون النخبه السودانية السياسيه فى انها قامت بتأسيس الحزبين التقليديين الاولين الاشقاء والامه، فى تحالغها  وتعاونها على مدى اكثر من نصف قرن مع القوى التقليدية المتمثله فى زعماء الطرق الصوفية، واهمها الختمية والانصار، وشيوخ القبائل ورجال الدين ، وهى القوى التى سعت الادارة الاستعمارية لكسبها بشته الطرق مثلاً منح الاراضى العقارية والزراعية. وقد كان لهذا التعاون اسره على بناء هذه الاحزاب وعدم ديمقراطيتها وغياب البرامج والاجنده الفكرية بجانب غياب الاطر المؤسسية والتنظيمية  فيها التى تستوعب قوى التعبير فى المجتمع السودانى وتفعلها ( حيدر ابراهيم ، المجتمع المدنى والتحول الدمقراطى فى السودان، القاهرة 1995 صفحة 48 - 57 و زكى البحيرى ، التطور الاقتصادى والاجتماعى فى السودان - من الازمة العالمية حتى الاستقلال، صفحة ، 455 - 456 وبنظرة تحليلية للواقع السودانى فى تلك الحقبه يمكن تفسير النخبه السياسيه المتعلمه مع هذه الكيانات التى لا يمكن اعتبارها منظمات للمجتمع المدنى لعدم ديمقراطيتها وقيامها على وراثت القيادات والمناصب مم تسبب فى غياب الاجنده الفكرية والبرامج والاطر المؤسسيه التى تستلزمها ديمقراطية منظمات المجتمع المدنى. والتفسير لهذا التعاون يقوم على الاسباب الاتيه:-

1-     محاصرة السلطه الاستعمارية لهذه النخب عسكرياً وقد اتضح ذلك فى ثورة 1924، وسياسياً بتحالف السلطة الاستعمارية مع زعماء القبائل وشيوخ الطرق الصوفيه وعلما الدين واقتصادياً بشركاتها المختلفه واهمها  شركة السودان الزراعية التى كانت تقوم بادارة مشروع الجزيرة.  وكان المساهمون فيها من رجال المال وصناعة القطن فى يانكشر واصحاب البنوك وسماسرة البورصة فى لندن.  يضاف لها اكثر من 130 شركة بريطانية عملت فى ميادين الزراعة والمواصلات والتجارة والمقاولات والترحيل واعمال المصارف ..الخ . (زكى البحيري صفحة 460)

2-     طبقت رجال الاعمال (المتسودنيين) والذين يرجعون الى اصول تركية وارمنية وشامية وهنديه ويمنية ومصرية والتى احتلت المرتبه الثانية بعد لالشركات البريطانية فى الهيمنة الاقتصادية مما قفل الطريق امام رجال الاعمال السوداتنيين للصغود.  وقد زاد هذا الاسر السلبى بانتشار هذه الفئة فى المديريات حتى النئى منها ( زكى البحيرى ، 1987 صفحة 463.

3-     هيمنة القطاع التقليدى ونمطه انتاجه المعيشى القائم على القبيله والجهل فيه، والتى كبلت الاغلبيه العظمه من السكان بقيود القبليه  والطائفيه فجعلتا منه مناطق معزولة ومقفولة بنفوز القيادات القبلية والطائفية بعيدين عن النفوز السياسى والثقافى للنخبة السياسيه فى المدن.  ففى عام 1930 كان حوالى 75% من اجمالى الناتج المحلى ياتى من هذا القطاع التقليدى المعيشى (تيم نبلوك ، صراع السلطة والثورة فى السودان ، الخرطوم 1994 صفحة 28) ولم يتغير الحال كثيراً ام قليلاً فى الربعينات.  بل مازال وحتى الان يعيش على هذا القطاع اكثر من 50% من سكان السودان.  فبرغم من اختراق اقتصاد السوق لكثير من مناطق السودان فى ذلك الوقت وانتشار انتاج المحاصيل النقدية بما فى ذلك الموجهه للتصدير نتيجة لانتشار وسائل النقل والمواصلات الحديثة وخاصة السكه الحديد فى المناطق النائية الا ان نمط الانتاج استمره معيشيين تقليدياً دون ادنى تحديث ولم تكون هذه المنتجات الا الفائض فى  زكى البحيرى ، 1987 صفحة 220 - 228

4-     نموء الفئيات الاجتماعية الحديثة - العمال ان اهم الفئات الاجتماعية الحديثة والتى كان من الممكن للنخبه السياسيه المتعلمة ان تعتمد عليها كقاعدة سياسيه هى العمال فى المدن الكبيرة .  ولكن ضعف هذه الفئة وبعد النخب السياسيه منها اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً كان سبباً فى الشقه الضخمه التى فصلت بين هاتين الفئتين ان ذلك البعد وتلك الشقه لم يؤهل هذه النخب الجديدة من التلاحم بالفئات الدنى الجديده اجتماعياً بالرغم من التضامن الوطنى السياسى العام فى اطار الحركة الوطنيه هذا بالاضافه الى قلت فئات العمال الحديثه وتشتها فى بلد المليون ميل مربع فعمال السكه حديد لم يزيد عددهم  عن 40 الف حتى فى بداية الخمسينات  وبالرغم  من ذلك كانت نقابة السكه حديد هى اول نقابة فى السودان.  الا ان الاقلبيه العظمه من هؤلاء العمال كانت تتبع لطائفة الختمية وتدين بالولاء لها وذلك بجزورهم فى مناطق نفوز طائفة الختميه فى السودان الشمالى,

4-5 المنظمات النسويه

لا شك ان المنظمات النسوية والطلبيه والشبابيه من المنظمات التى لعبت دوراً هاماً فى تاريخ السودان قبل الاستقلال وبعده لوصفها اداة للمشاركة لهذه الفئات الاستراتيجيه فى العمل السياسى والتنموى،  خاصة فى مجالات محو الاميه ورفع الوعى الثقافى والسياسى لهذه الفئات وللسكان فى الاقاليم المختلفة.  وبرغم مما للطلاب والشباب من قوة دفع اجتماعيه عظيمة وطاقة هائله جعلتهم يلعبون دوراً  عظيماً فى منظمات خطيره فى تاريخ السودان مثلاً فى ثورة اكتوبر 1964 وانتفاضة ابريل 1985 الا انهم يطيرزون للفاعلين فى المجتمع بفضل الفائض الاقتصادى الذى تقوم عليه مؤسسات التعليم  والنشئة للمجتمع والاسرة الحديثه درنا هيتها والذى ينتجه العاملون بهذه الحقيقة ولقلة المعلومات والمراجع  حول الحركة الطلابية والشبابيه تخص الورقة الحركة النسوية باهتمام خاص لارتباطها بالحركة العماليه نتيجة لانتشار اقتصاد السوق والعمل باجر كاهم  نرتكز له والتعامل بالنقد فالحركة النسوية لم تنشاء بسبب تعليم المراة فقط بل وفى الاساس بسبب ولوج المرآة مجال العمل وما التعليم الحديث الا وسيلة لذلك فقد كانت الممرضات والمعلمات عصب الحركة النسوية الحقيقية وبالرغم من ان مطالب الحركة النسوية كانت مطالب ارتبطت بحقوق من حرية ومساواة.  الا ان هذه المبادى تجسدت فى مطالب ارتبطة بالعمل باجر وهمها المساواة بالرجل فى الاجر والمساواة فى حق التعليم وحريته  كمدخل لعالم العمل ولانتاجية عاليه تحفظ للمراة كرامتها وعزتها،  ويفتح امامها الطريق لوضع اقتصادى فى المجتمع يضمن لها هذه العزة والكرامة

 

ان الحركة النسوية بدات بمجموعات من المتعلمات اللائى ينتمينا لفئات اجتماعية متميزة بالمقارنة مع الممرضات اللائى كن رائدات للمرأة فى الحركة النقابية بالرغم من انتمائهن لفئات اجتماعة اقل حظاً  اقتصادياً واجتماعيا وثقافياً ولكن بالرغم من الفوارق الاجتماعيه بين هاتين الفئتين التزمت المتعلمات منهن بتضامن واضح وعميق مع بنات جنسهن الاخريات .  لقد اتضح هذا التضامن فى انشاء المتعلمات لماعرف " ببيوت الخياطة" والتى كانت بمثابت فصول تعليم مهنى اهلى.  وتطورت هذه الفصول لتشمل محو الاميه 1940 ( محاسن عبدالعال ، المراة السودانية والعمل السياسى - الحركة النسائيه ، رصيد الحركة الوطنيه، الخرطوم 1997، صفحة 62) ومن المنظمات النسائيه الاولى" النادى النسائى" بمدنى الذى تأسس عام 1948 من عدد من زوجات كبار الموظفين المتعلمات ولكن .  توقف نشاطه بعد فترة وجيزة.  وترى محاسن عبدالعال السبب لذلك فى ان نشاطه كان محدود اذ لم يتعدى فيئات اجتماعية معينة وان اهدافه لم تكن فى مستوى الاحداث انذاك (محاسن محمد عبدالعال، صفحة 30)

وانشئت رابطة الفتيات المثقفات بامدرمان 1947 لتعمل فى مجال محو الاميه والخياطة والتدبير المنزلى والتوعية الصحية والاجتماعية.

 وقامت الحركة النسوية الثائرة بالمقارنة مع رصيفتها الاصلاحية على الممرضات اللائى شاركن  فى اول مظاهرة عمالية  لللاحتجاج ضد المستعمر عام 1948 .  وكان هنالك كذلك اتحاد المعلمات الذى انضم كنقابه للحركة النقابية فى عام 1949 .  وقد كانت اهداف هذا النقابة مرتبطه بقضايا العمل ومنها  المساواة فى الاجور  وايقاف قانون العمل بالمشاهرة للمتزوجات المرجع اعلاه "صفحة 31 - 32"

مما تقدم يتضح جانب هام للحركة النسوية الجنينيه لابد من الاشارة اليه، وهو ان هذه الحركة كحركة اجتماعية او نقابية ارتبطة بالانتاج البشرى والتنمية البشرية فى المدارس والمستشفيات "وبيوت الخياطه"

وجاء قيام الاتحاد النسائى فى عام 1952 نقطة تحول فى مثار الحركة النسوية وجمع شملها فى ويعاء  وطنى استطاع ان يتقلب على تشتت النساء فى مجموعات صغيرة تعمل فى معزل عن بعضها البعض.

 

 5-  تطور  مفهوم العمل الطوعي منذ الخمسينات وحتى التسعينات:

ان التوسع فى مفهوم العمل الطوعى فى الاطار الدولى انعكس على السودان ولذا لزم توضيح ذلك خاصة الخلفية التاريخيه لهذا التطور والذى انعكس فى مفهوم الامم المتحدة للحكم الراشد واهمية منظمات المجتمع المدنى فى ذلك وعلاقتها بهذا الحكم وعلى الاخص بالديموفراطيو وحقوق الانسان.

5-1          على الستوى الدولى

لقد انحصر مفهوم العمل الطوعي والمنظمات الطوعية في السودان وخارجه وحتى منتصف الثمانينات على ذلك العمل وتلك المنظمات التى تقدم خدمات اجتماعية للمجموعات الضعيفة والتى يطلق عليها المجموعات الخاصة (Special Groups) في علم الخدمة الاجتماعية (Social Work)  والذي هو الأساس العلمي للعمل مع هذه المجموعات مثل الأطفال الجانحين او غير الشرعيين والمعوقين مثل المكفوفين والصم والبكم. وقد كانت مسئولية تسجيل هذه الجمعيات تقع على عاتق مصلحة الرعاية الاجتماعية التى صارت وزارة في عهد مايو. وهناك منظمات طوعية غير هذه الجمعيات الخيرية مثل الجمعيات التعاونية والتى يتم تسجيلها في وزارة التعاون والنقابات التى كانت تسجل في وزارة العمل ولكن تحول تسجيلها في عهد الإنقاذ للنائب العام. وقد ظلت كذلك جهود العمل الأهلي في التعليم والتى ارتبطت بالحركة الوطنية ومؤتمر الخريجين في الثلاثينات والأربعينات والأحزاب خارج نطاق هذا المفهوم القاصر المحدود الذي كان يحكمه مفهوم الخدمة الاجتماعية كما سبق ذكره.

 وفي بداية الثمانينات بدأ التفكير في الدول الغربية توظيف المنظمات الطوعية الخاصة (private voluntary organizations) في مشاريع التنمية في الدول النامية.  وفي منتصف الثمانينات وعلى اثر موجة الجفاف والمجاعة التى ضربت منطقة الساحل بما فيها السودان دخلت أعداد كبيرة من المنظمات الأجنبية الدولية لتقوم بأعمال الإغاثة ، ولتتحول بعد ذلك الى مشاريع التنمية في القطاعات المختلفة مثلاً الصحة وإمدادات المياه والمشاريع المدرة للدخل واعمار البيئة كالتشجير وإدخال المواقد المحسنة.

وفي التسعينات بدأ توسع واضح في مفهوم العمل الطوعي إذ شمل مفاهيم وابعاد سياسية. أهمها مفهوم المشاركة السياسية والحكم الراشد (Sound Governance) . فمثلاً جاءت الأمم المتحدة بمفهوم الحكم الراشد بركائزه الثلاث وهي : الدولة والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والتى أطلق عليها اسم القطاع الثالث كجزء أساسي في المجتمع.

كما ظهرت نظريات جديدة اخرى حول العلاقة بين الدولة والمجتمع تقوم على مفهوم انحسار دور الدولة في المجتمع (Zero States) ومن هذه النظريات والمدارس ما يهتم بما يسمى بمجتمع الشبكات (Network Society) او مجتمع بلا مركز (Centerless Society) او المجتمع متعدد المراكز (Polycentre society).

وجاءت الأبعاد السياسية لفهم العمل الطوعي بجانب البعد الخيري والتنموي نتيجة للبحث في دور الدولة عامة ودول العالم الثالث خاصة. فالدولة الحديثة في كثير من الدول النامية ، وخاصة الأفريقية ، كانت نتيجة الاحتلال الاستعماري. وكان هدفها الأول والأخير هو خدمة مصالح المستعمر ، والحفاظ على النظام والقانون (Law and Order)  لتحقيق هذه المصالح . ولم تكن المشاركة الشعبية من أهدافها بطبيعة هذه الوظيفة الخارجية. وبعد الاستقلال كانت دولة ما بعد الاستقلال التى سيطرت عليها الصفوة التى لم يكن من أهدافها تحقيق مبدأ المشاركة بالرغم من تطبيق الديموقراطية في تلك الدول وبالرغم من الدور الكبير الذي يقوم به القطاع العام في الاقتصاد مقارنة بالقطاع الخاص الذي كان دوره محدوداً للغاية في العقود الأولى بعد الاستقلال. ثم تلاحقت الانقلابات العسكرية بدعوة محاربة الفساد والدفاع عن مصالح الشعب ورفع مستوى معيشته. ولكن انفراد المؤسسة العسكرية بالسلطة قاد لسيطرة فئة قليلة زادت هي كذلك بعداً عن عامة الشعب ، بل كانت قاهرة بصرف النظر عن بعض النجاحات في مجال مشاريع التنمية الكبيرة مع إهمال واضح للتنمية الريفية بمعناها الحقيقي أي تحديث القاعدة الإنتاجية للمنتج التقليدي الفعلي وليس بمعنى قيام مشاريع زراعية او زراعية صناعية كبيرة للدولة في الريف. وقد أدى ذلك الى استنزاف القطاع الريفي التقليدي الذي تعيش فيه أغلبية السكان، وذلك لمصلحة بعض قطاعات سكان الحضر المترفين. واتسع قطاع الدولة في الاقتصاد نتيجة لهذه السياسات مما جعل بعض المفكرين اليساريين والباحثين في شئون الدول النامية يعتبرونه القاعدة المادية لبرجوازية الدولة. في حين اعتبره يساريون آخرون القاعدة المادية  للثورة الوطنية الديمقراطية التى تمهد للثورة الاشتراكية . وقد استشرى الفساد في دول ما بعد الاستقلال خاصة في أفريقيا في أجهزة الدول والقطاع العام وفي بعض الدول في الحزب الواحد الحاكم الذي انفرد بالسلطة. وانتشر الفقر وساد القهر واهدار حقوق الإنسان وعمت ملاحقة المعارضين بحجة خدمة قضايا التنمية والمحافظة على مكتسبات الشعب التى كانت مكتسبات الفئات الحاكمة فقط. وأمثلة على ذلك بوكاسا في أفريقيا الوسطى وموبوتو في زائير وماركوس في الفلبين وسموزا في نيكاراجوا الخ…..

وتحت هذه الظروف زادت التساؤلات في أبحاث الدول النامية عن علاقة الدولة بالشعب والدور التنموي والسياسي للمنظمات الطوعية وغير الحكومية وكذلك عن قضية المشاركة في السياسة والتنمية بدءاً بتخطيط المشاريع وحتى تنفيذها وتقييمها مما يعني النزول بها الى الشعب أي المنتفعين بها حقيقة.

وقد فرض مبدأ المشاركة نفسه في السياسة والتنمية لأسباب عديدة منها:

1) فشل مشاريع التنمية التى تخطط وتنتقد من أعلى بعيده من الشعب

2) انتشار التعليم بعد الاستقلال والتعرف على تجارب الدول الأخرى عبر المنح والبعثات والمؤتمرات وأجهزة الأعلام مما ضيق الشقة بين الحكام والمحكومين. وكانت نتيجة ذلك قيام جمعيات طوعيه لتحد من هيمنة وقهر أجهزة الدولة والنخب الحاكمة مثل الدفاع عن حقوق الإنسان.

3) توسع القطاع الخاص وانفلاته في استعماله غير المرشد للموارد الطبيعية وقد شاركه في ذلك القطاع العام ثم استيراد وانتاج السلع المعيبة بهدف تحقيق أعلى ربح وفي اقصر وقت مما أدى الى قيام جمعيات حماية البيئة وحماية المستهلك التى بدأت في السبعينات وانتشرت في التسعينات لتحد من انفراد سلطة الدولة والقطاع الخاص في اتخاذ القرار ولترشده.

4)  لقد احتدت مشاكل التمدن في الفترة الأخيرة خاصة منذ السبعينات وتفاقمت في الثمانينات نتيجة الكوارث الطبيعية واندلاع الحرب الأهلية. وبسبب الهجرة المكثفة الى المدن نتجت الأحياء العشوائية في المدن بسرعة عظيمة ، وتفككت الأسر الممتدة، وغابت الضوابط الاجتماعية الجماعية، وانتشر التشرد وتفشت العطالة ، ودخلت المرأة الحضرية والنازحة سوق العمل. فكان التدهور البيئي في الحضر نتيجة لسوء توزيع السكان وتكدسهم في المناطق الحضرية وزادت احتياجات المدن واستهلاكها من الوقود والطاقة فزاد قطع الأشجار وحرقها الى فحم. وكيف ذلك انتشار علاقات السوق والتبادل السلعي. وقد سبق ذلك كما ذكر سابقاً أثار السياسات الزراعية الخاطئة التى أهملت الريف، بل وضعت موارده تحت رحمة مستثمرين من خارجه ليستنزفوا موارده الطبيعية و لا يعيدون استثمار أرباحهم فيه، بل تحول الى المدن في قطاعات غير إنتاجه مثل العقارات او تحول الى الخارج مما قلل من مقدرة استيعاب القطاع الحضري للعمالة وزادت العطالة وحدة الفقر.وقد أدى كل ذلك لقيام منظمات طوعيه من نوع جديد تعمل في مواجهة هذه المشاكل. ففي بداية السبعينات ونتيجة لموجات الهجرة المكثفة الى المدن انتشرت الجمعيات الخيرية في الأحياء والجمعيات والروابط القبلية والإقليمية في العاصمة مما دفع حكومة مايو انذاك الى حل ألا خيره بتهمة أنها تقوم بأعمال سياسية خفيه في حين أنها كانت امتداد لروح التكافل والتراحم الذي يسود القرية، والذي يحتاج أليه أبناء الريف في المدن في عزلتهم واستلابهم وبعدهم عن عائلاتهم الممتدة وجو القرية الدافئ . وقد اختلفت صفوة المثقفين في المدن حول قيام هذه التنظيمات الجهوية . فرأي البعض أنها امتداد للقبلية التى كان يعارضها هؤلاء المثقفين . وأيدها البعض ودافع عنها لأنها تجسد تطلع أهل الريف الى التنمية وعزوفهم عن الأحزاب السياسية التى لم تعد تعبر عن مصالحهم، إذ كانت الروابط القبلية والإقليمية تطرح مطالب القبائل والمناطق التى يأتي منها أعضاء هذا الروابط في العاصمة وتعمل على حل مشاكل تلك المناطق بمجهودات أعضائها وبالعون الذاتي. بلغ عدد هذه الجمعيات المسجلة في ولاية الخرطوم في عام 1997 ، 121 موزعة على الولايات كآلاتي: ولايات كردفان الكبرى 35 جمعية، ولايات كسلا والقضارف والبحر الأحمر 15 جمعية ولايات نهر النيل والشمالية 23 جمعية ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض والنيل الأزرق 11 جمعية الولايات الجنوبية 14 جمعية و23 جمعية لم يمكن تصنيفها (عمر سر الختم حاج بشير، دليل الجمعيات الطوعية السودانية العاملة في السودان، الخرطوم 1997 "بالإنجليزية") .

يمكن إضافة مئات الآلاف من المنظمات الطوعية القاعدية مثل مجالس الأباء ولجان المساجد والكنائس والأندية الرياضية والاجتماعية وجمعيات ربات البيوت والأسر المنتجة.

ان الممارسة السابقة والأسئلة عن علاقة الدولة بالشعب كانت السبب الأساسي في توسيع مفهوم العمل الطوعي والمنظمات الطوعية بوصفها مواعين ومؤسسات تضمن المشاركة في السياسة والتنمية لكل قطاعات الشعب ، وتضمن كذلك مراقبة أجهزة الدولة بالرغم من دورها المكمل لهذه الأجهزة ، ولا تقتصر على تقديم الخدمات الاجتماعية للمستضعفين. وجاء نتيجة هذا التوجه مشاركة المنظمات الطوعية في كل المؤتمرات الدولية الأخيرة الهامة مثل مؤتمر ريو ومؤتمر القاهرة للسكان والقمة الاجتماعية في كوبنهاجن ومؤتمر المرأة في بكين ومؤتمر الموئل في اسطنبول.

ويرجع بعض الكتاب ازدهار العمل الطوعي والمنظمات الطوعية في العقدين الأخيرين لتطبيق سياسات التكيف الهيكلي التى قادت الى انحسار دور الدولة ومسئوليتها الاجتماعية نحو المواطنين ، إذ وقع على عاتق المنظمات الطوعية القيام بجزء هام من هذا الدور الاجتماعي ، خاصة تحت وطأة الفقر وانتشاره. لذلك تحاول هذه المنظمات ان تربط بين تقديم هذه الخدمات ومشاريع إدرار الدخل للفقراء لتمكنهم من شراء هذه الخدمات في المستقبل وفي ظل اقتصاد السوق الحر. ويتضح هذا التوجه في تحول المنظمات الطوعية من الخدمات الى التنمية بعد فترة المجاعة والجفاف.

5-2   السودان

في إطار التوسع في مفهوم العمل الطوعي نال قطاع واسع للعمل الطوعي فى السودان الاهتمام فقط في العقدين الأخيرين إذ كان مهملاً ولم ينل الاهتمام الذي كان يستحق خاصة بعد الاستقلال وهو قطاع المجموعات القاعدية المحلية (Community based organizations -CBOs) ومجموعات العون الذاتي (Self-help organizations) المحلية. ولتقييم هذا النوع من الجمعيات لابد من نظرة دقيقة في المجتمع التقليدي الذي تميزه الخصائص الأربع الأساسية آلاتية:-

أ‌)    الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج الأساسية وهي الموارد الطبيعية من ارض  وكلا وماء وغابات. وتتضح هذه الملكية الجماعية في لفظ الدار مثلا دار كبابيش، دار حمر ، دار مساليت الخ.

ب‌)   علاقات الدم والتى تجسدها القبيلة والأسرة الممتدة.

ج‌)      اقتصاد معيشي يهدفه الإنتاج فيه لتلبية الاحتياجات الأساسية ويتطابق فيه المنتج والمستهلك .

د) تقنيات تقليدية تقوم على الطاقة البشرية او طاقة الحيوان منخفضة الإنتاجية مما يتطلب تجميع الجهود البشرية في الإنتاج (إنتاج جماعي واستهلاك جماعي) ولمواجهة ظروف الطبيعة المتقلبة والقاسية مثلا الجفاف والفيضانات والسيول والآفات. (عبد الرحيم أحمد بلال، الخرطوم 1997).

ان هذه الخصائص فرضت على الإنسان في القطاع التقليدي صورا مختلفة للعمل الطوعي الجماعي في الإنتاج والخدمات مثل النفير في الزراعة والبناء وكذلك الفزع كخدمة أمنية ومجالس الأجاويد كجهة عدليه تقليدية. ومن الواضح ان هذا النوع التقليدي من العمل الطوعي يختلف عن العمل الطوعي المؤسسي الحديث الذي يقوم على قوانين الدولة وعلى مؤسسات حديثة تحكمها قوانين ولوائح تحدد مسئوليات أجهزتها المختلفة من جمعية عمومية ولجنة تنفيذية الخ.

وجد العمل الطوعي في المجتمعات التقليدية اهتمام بعض الأنظمة السياسية فى السودان. وبدأ هذا الاهتمام واضحاً في عهد مايو بتكوين لجان تطوير الريف وحركة العون الذاتي التى قامت بدور كبير في تقديم الخدمات للسكان المحليين مثل بناء المدارس والشفخانات ، هذا بالاضافة الى بناء المساجد الذي كان يقع على عاتق المواطنين أصلا قبل الاستقلال بسبب سياسة الاستعمار المعادية لانتشار الوعي الديني. ولكن وللآسف حاول نظام مايو بصفته الشمولية احتواء هذا العمل الطوعي وتنظيماته وضمها الى التنظيم السياسي (الاتحاد الاشتراكي) كما حدث بالنسبة للمنظمات الطوعية القومية مثل النقابات والتعاونيات واتحاداتها والمنظمات المهنية.

وحين اجتاح السودان الجفاف والمجاعة في منتصف الثمانينات لجأت المنظمات الطوعية العالمية التى خطفت الأضواء من منظمات العمل الطوعي الوطنية بإمكانياتها ونفوذها ونفوذ الدول التى تقف وراءها. لجأت الى توظيف روح هذا العمل الطوعي المحلي في المجتمع التقليدي وتنظيماته في تقديم العون والإغاثة ، وكذلك في مشاريع التنمية خاصة الإصلاح البيئي بعد مرحلة الإغاثة . وقد استفاد نظام الإنقاذ من روح وأنواع ومنظمات العمل الطوعي التقليدي القاعدية في تكوين تشكيلاته القاعدية السياسية مثل اللجان الشعبية القاعدية.

وفى النصف الثانى من التسعينات ومع الانفراج السياسى النسبى واتساع مساحة الحريات النسبيه بعد اتفاقية الخرطوم للسلام 1997 واجازة الدستور بدأ فى السودان نقاس مكثف حول منظمات المجتمع المدنى حتى فى دوائر الدولة.  والسبب فى ذلك يرجع لعوامل خارجيه وداخلية بين ضغوط دوليه سياسية واقتصادية وقناعة بطل اطراف النزاع السودانى بضرورة الوفاق مما يستلزم رفع القيود على عمل الاحزاب السياسيه زكل منظمات المجتمع المدنى.

 

6/أنواع الجمعيات الطوعية والاستهداف (targeting) في عملها

6/1 أنواع الجمعيات الطوعية

تقسم الجمعيات الطوعية الى ثلاثة أنواع في علاقاتها بالمجموعات المستهدفة:

          - مانحة (donor NGO)

          - وسيطة أو مساعدة ( intermediary / support NGO)

          - قاعدية أو جمعيات عون ذاتي (community based organization CBO /   

                                     self-help organization SHO)

أ- الجمعيات المانحة :

هي تلك الجمعيات التى تقدم عونا مادياً، مالياً كان أو عينياً، للجمعيات التى تقع تحت النوعين الآخرين. 

تأتى موارد الجمعيات المانحة من مصادر مختلفة، سواء كانت من دول او منظمات دولية أو إقليمية أو مؤسسات خاصة أو عامة أو من أفراد. والجمعيات المانحة يمكن ان تكون وطنية مثل مؤسسة حجار الخيرية أو أجنبية مثل مؤسسة فورد الأمريكية . أن المنظمات المانحة لا تقوم بتنفيذ مشاريع ولا تلتصق بأى عمل ميداني التصاقاً مباشراً وهذا ما يميز النوعين الآخرين.

ب - الجمعيات الوسيطة او المساعدة

وهى جمعيات تعتبر حلقة الوصل بين الجمعيات المانحة او جهات أخرى مانحة مثلاً أفراد وبين الجمعيات القاعدية وجمعيات العون الذاتي. وكمثال على الجمعيات الوسيطة في السودان منظمة الدعوة الإسلامية ومنظمة البر الدولية و منظمة مهيرة النسوية و منظمة الهلال الأحمر السوداني والجمعية السودانية لحماية البيئة والجمعية السودانية لحماية المستهلك.

تقدم هذه الجمعيات مساعدتها للجمعيات القاعدية في أشكال مختلفة:

           1- الدعم المادي المالي

          2- الدعم المادي العيني

          3- الدعم المؤسسي بالموارد البشرية أو الخبرة في شكل تدريب واستشارات ودراسات.(مؤسسة

             فريدريش ايبرت، بون 1983)

وتتكون عضوية هذه الجمعيات في الغالب الأعم من المهنيين الذين يعملون تطوعاً او احترافاً.

ج- الجمعيات القاعدية و جمعيات العون الذاتي

تضم هذه الجمعيات أعضاءاً بهدف تحقيق أهداف ومصالح مشتركة ، اقتصادية كانت او اجتماعية، مثلاً الجمعيات التعاونية و الجمعيات الخيرية والنقابات والمنظمات النسوية والشبابية القاعدية والأندية الرياضية والثقافية والروابط الإقليمية والقبلية . وتقدم هذه الجمعيات خدماتها لأعضائها بمواردهم هم أنفسهم أو بموارد خارجية سواء من الجمعيات المانحة بصورة مباشرة او عبر الجمعيات الوسيطة أو من أفراد أو مؤسسات عامة أو غيرها.

6/2 مجالات الأستهداف (targeting) في عمل الجمعيات الطوعية

لتحليل مجالات العمل المختلفة للأنواع الثلاث للجمعيات الطوعية لابد من تحليل المستهدفين لعملها كالآتي:

          أ- المجموعات المستهدفة مثلاً : النازحون ، اللاجئون ، المتشردون ، المرأة في القطاع غير  

             المنتظم ، الحرفيون ، العمال ، سكان حي محدد ، الشباب ، اليتامى .

           ب- القطاعات المستهدفة مثلاً الصحة ، التعليم ، التسويق ، الحرف والصناعات الصغيرة ،

                المياه.

          ج- المناطق والأقاليم المستهدفة مثلاً غرب دارفور أو البحر الأحمر.

 أن تحديد الجمعيات الطوعية لمجموعات وقطاعات و مناطق بعينها لعملها يجعلها تتفادى التشتت ويجعل  

عملها يتصف بالتركيز الذي يساعد على تراكم الخبرات والمعرفة بالمجموعات والقطاعات والمناطق التى تقوم  بخدمتها. كما ساعد ذلك في التشبيك الذي يدعم تبادل الخبرات والتنسيق بين الجمعيات نفسها وبين الجمعيات وأجهزة الدولة المختصة المختلفة.

 

7-    العمل الطوعي في خطط التنمية - الاستراتيجية القومية الشاملة 1992 - 2002:

لم يضمن العمل الطوعي في كل الخطط القومية للتنمية ماعدا في الاستراتيجية القومية الشاملة 1992م - 2002م. ويمكن تعليل ذلك بان مفهوم العمل الطوعي كان قاصراً على العمل الخيري وتنظيماته حتى الثمانينات . ولكن بالتوسع في مفهوم العمل الطوعي وبظهور نظريات الحكم الراشد وتطبيق سياسات التكيف الهيكلي في السودان منذ عام 1992 تطبيقاً صارماً فقد اكتسبت المنظمات الطوعية أهمية كبيرة لم تجدها في الماضي بالإضافة الى ان الإنقاذ تدعو الى مبدأ المجتمع يقود الدولة الذي يؤسس لانحسار دور الدولة لحساب دور المنظمات الطوعية .

لقد أفردت الاستراتيجية القومية الشاملة (الاستراتيجية القومية الشاملة ، الخرطوم 1992، ص 54-55) فصلاً كاملاً لاستراتيجية العمل الطوعي والخيري. وقد حددت الاستراتيجية الغاية القومية للعمل الطوعي الخيري في أربعة محاور أهمها: تحقيق نهضة اجتماعية شاملة تستلهم المواطنين، وان يكون السودان خير مجتمعات العالم تكاملاً وتعاضداً  وتراحماً، واعتماد المجتمع على نفسه في تلبية معظم احتياجاته. ومن أهم ما جاء في الموجهات ان العمل الطوعي والخيري الحقيقي عمل أنساني خالص ويتوجب النائي به عن ان مقاصد أخرى.

وبالرغم من هذا المبدأ الذي ورد في الاستراتيجية القومية الا ان هناك بعض الباحثين والعاملين في المنظمات الطوعية الذين يتهمون نظام الإنقاذ بمحاباة الجمعيات الطوعية الموالية للنظام او التى يقوم على أمرها موالون للنظام وذلك في سهولة التسجيل والتسهيلات المقدمة لهذه المنظمات خاصة في التمويل مثلاً القروض الحسنة والمنح والهبات ومنحها المقر وانتداب العاملين في الدولة للعمل بها (سامية الهادي النقر واخرون،الخرطوم 2000) وبالرغم من هذا النقد لابد من الإشارة الى المساحة المتاحة والتى بدأت تتسع في السنين الأخيرة لعمل الجمعيات الطوعية. ويبدو ان هذه المساحة يمكن ان تتسع بحكمة إدارة القائمين على المنظمات الطوعية وبعد نظر قيادات مؤسسات الدولة التى تتعاون معها هذه الجمعيات. وخير مثال على ذلك الجمعية السودانية لحماية البيئة التى وثقت تعاونها مع المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية بوزارة البيئة والسياحة ومع الهيئة القومية للغابات في وزارة الزراعة والغابات. فقد تعاونت هذه الجمعية مع المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية في إخراج وثيقة (نحو خطة قومية للعمل البيئي في السودان) في عام 1996. وقد يكون السبب في حسن علاقة هذه الجمعية بالجهات المسئولة هو مجال عملها أي البيئة الذي نال  اهتماماً عالمياً في العقد الأخير بالإضافة الى عدم وجود جمعيات مرموقة مواليه للنظام تعمل في مجال البيئة بالمقارنة مع الجمعية السودانية لحماية البيئة التى تتمتع بسمعة طيبة وطنياً وإقليميا ودولياً.  

ان التعاون الوثيق بين الجمعية السودانية لحماية البيئة ومؤسسات الدولة المختلفة يتضح في مشاركة الجمعية في عمل عدد كبير من اللجان الفوميه في مجال البيئة نذكر منها:-

1-    اللجنة الفرعية للبيئة في لجنه الاستراتيجية القومية الشاملة. وقد ترأس رئيس الجمعية آنذاك اللجنة الفرعية هذه.

2-     لجنة المبيدات بوزارة الزراعة

3-    لجنة المصادر الوراثية بوزارة الزراعة

4-    مجلس إدارة الهيئة القومية للغابات 1995 - 1997

5-    مجلس إدارة الحديقة النباتية

6-     لجنة الإنسان والمحيط الحيوي في لجنة اليونسكو التابعة لوزارة التربية والتعليم

7-     لجنة التخطيط العمراني بوزارة الطيران والمساحة

8-     المجلس القومي لمكافحة التصحر

9-     لجنة مشروع تغير المناخ بالمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية

10-   لجنة مشروع التنوع الإحيائي بالمجلس أعلاه

11-   لجنة مشروع التخطيط الإستراتيجي لتحقيق التنمية المستدانة للمجلس أعلاه

كما تشارك الجمعية بانتظام في كل الدورات والورش واللقاءات الخاصة بالبيئة بدعوة من الجهات الرسمية المعنية

 

8- العمل الطوعى في الإغاثة وإعادة التعمير والتنمية

مرو يمر السودان في مناطقه المختلفة بكل الأوضاع التى تستنفر العمل الطوعى وهى الإغاثة في حالة الكوارث وإعادة التعمير بعد ذلك ثم التنمية. وفى  السنين الأخيرة لم يعد الفصل بين هذه الأوضاع الثلاثة  مقبول. اً بالرغم من ذلك تحاول الورقة في تجريد لابد منه تحديد المتغيرات في كل من  هذه الأوضاع الثلاثة وكيف تتعامل معها  المنظمات الطوعيه ويمكن تحديد المتغيرات كالآتي:-

1-       الفاعلون:    - الدول الوطنية والاجنبيه ومؤسساتها

-الجمعيات الطوعية  مانحة اجنبيه او وطنية وسيطه اجنبيه

    او وطنيه وقاعدية

- القطاع الخاص  قومي ،محلى ، أجنبي

2-  موضوع الاستهداف  - المجموعات المستهدفة ، القطاعات المستهدفة ، المناطق

      المستهدفة

3-           أهداف العمل الطوعى:

-       في حالة الإغاثة إنقاذ الحياة وتلبية الاحتياجات الاساسيه من خارج المجتمعات المنكوبه

-       في حالة إعادة التعمير تلبية الاحتياجات الأساسية من داخل المجتمع المحلى لاكتساب القوى الشرائية للخدمات حسب الآيات السوق

-       في حالة التنمية التمكين السياسي والاقتصادي والمشاركة

          وتحقيق التنمية المستدامه

4-    الوسائل              -       الخدمات

-       تمليك وسائل الانتاج

-                     البناء المؤسسى  - القدرات البشرية والتنظيميه

-                     توجيه البحث العلمى لمصالح المجموعات والمستهدفون

-       &nbs